محمد بن جرير الطبري

192

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

راضون بالذي جاء به ، وهم متمسكون بضلالتهم والكفر ، وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ قال : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهود . يقول : دخلوا كفارا وخرجوا كفارا حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق وتسر قلوبهم الكفر ، فقال : دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فإذا رجعوا إلى كفارهم من أهل الكتاب وشياطينهم ، رجعوا بكفرهم . وهؤلاء أهل الكتاب من يهود حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير : وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ أي إنه من عندهم القول في تأويل قوله تعالى : وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وترى يا محمد كثيرا من هؤلاء اليهود الذين قصصت عليك نبأهم من بني إسرائيل يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ يقول : يعجلون بمواقعة الإثم . وقيل : إن الإثم في هذا الموضع معني به الكفر . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قال : الإثم : الكفر حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وكان هذا في حكام اليهود بين أيديكم حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قال : هؤلاء اليهود ؛ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ إلى قوله : لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ قال : يصنعون ويعملون واحد . قال لهؤلاء حين لم ينهوا ، كما قال لهؤلاء حين عملوا قال : وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي وإن كان قولا غير مدفوع جواز صحته ، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله لا يتحاشون من شيء منها لا من كفر ولا من غيره ؛ لأن الله تعالى ذكره عم في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان من غير أن يخص بذلك إثما دون إثم . وأما العدوان ، فإنه مجاوزة الحد الذي حده الله لهم في كل ما حده لهم . وتأويل ذلك أن هؤلاء اليهود الذين وصفهم في هذه الآيات بما وصفهم به تعالى ذكره ، يسارع كثير منهم في معاصي الله وخلاف أمره ، ويتعدون حدوده التي حد لهم فيما أحل لهم وحرم عليهم في أكلهم السحت ، وذلك الرشوة التي يأخذونها من الناس على الحكم بخلاف حكم الله فيهم . يقول الله تعالى ذكره : لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول : أقسم لبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت . القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ يقول تعالى ذكره : هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشا في الحكم من اليهود من بني إسرائيل ربانيوهم ، وهم أئمتهم المؤمنون ، وساستهم العلماء بسياستهم وأحبارهم ، وهم علماؤهم وقوادهم ؛ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ يعني : عن قول الكذب والزور ؛ وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير حكم الله ، ويكتبون كتبا بأيديهم ثم يقولون : هذا من حكم الله ،